advertisements

قصص قصيرة

قلبه لا يبالي بقلم هدير نور

الفصل الأول

بقصر الدويرى..

وجدت داليدا مستلقية على السرير تتصفح هاتفها بمزاج ممل عندما فتحت باب الغرفة فجأة ودخل زوجها داغر الدويري.

وقفت مفاجأة على قدميها وتعثرت، كما هو الحال دائمًا عندما تراه، تثاقلت أنفاسها التي احتبست في صدرها، وزادت نبضات قلبها بشكل مجنون، حاولت إخفاء يديها خلف ظهرها بسرعة لكي لا يلاحظ ارتجافها الواضح.

عندما رأته لأول مرة في حياتها، كانت هذه ردة فعلها ولم تتغير حتى الآن، فكيانها لا يزال يهتز عندما تراه أمامها…

أثناء حفاظه على عادته الباردة والصلبة في التعامل معها، لم تظهر منه يومًا اهتمامًا أو رد فعل يوحي بتأثره بالأمر.

كما هو معتاد، دخل الغرفة دون التفات إليها ودون التحدث إليها، مُعاملًا إياها كما لو كانت غير موجودة في الغرفة.

شاهدته بانتباه وهو يتجه صامتاً نحو الخزانة لاستخدام ملابسه الخاصة بالنوم، وعلى وجهه ظهرت ابتسامة باردة. كانت ترغب بشدة في الصراخ في وجهه وإخباره بمدى تأثرها والألم الذي يسببه لها بمعاملته لها بهذه الطريقة، لكنها حتى الآن لم تكن لديها الشجاعة الكافية لفعل ذلك.

أخذت تتنفس بعمق في حين تحاول دفع تلك الأفكار بعيدًا وتسعى إلى رسم ابتسامة على وجهها وعدم إظهار الصراع الداخلي، لكن خانتها شفتيها وارتجفت قليلاً بسبب التوتر.

توجهت بخطوات ترتجف نحو الطاولة المجاورة للسرير، وقامت بسحب الغطاء عنها لتظهر أطباقًا مختلفة مليئة بالطعام اللذيذ. همست بصوت منخفض بينما تفرك يديها بتوتر، وعينيها مسلطة عليه وهي تراقبه بعيون واسعة وأنفاس ثقيلة وهو ينزع سترة بدلته ببطء.

أنا… أنا حضرت الطعام لكي نتناول العشاء معًا…

انتفضت ببطء كما لو لم يلاحظ وجودها حتى الآن، وظلت واقفة في مكانها تتأمله بصمت لعدة لحظات، وعيناها تتصفحانه ببطء وتراقبان وجهه الواسع الذي يختبئ تحت أزراره حتى عنقها. ومع ذلك ، رفعت يديها بخجل ووضعتها على عنقها المغلق بإحكام.

ولوح رأسه رافضًا بينما أجابها ببرودته المعتادة معها، ثم تحول مرة أخرى وتوجه اهتمامه للخزانة حيث بدأ في اختيار ملابسه.

اتعشيت في المكتب…

أومأت رأسها بصمت محاولة محاربة خيبة الأمل التي غمرتها بعنف. لقد قضت الكثير من الوقت في صناعة تلك الأطعمة خصيصًا من أجله، في محاولة لجذب انتباهه إليها على الأقل بقليل. وبدأ زواجهم كما كان ينبغي أن يبدأ منذ اليوم الأول.

وبينما يدلف إلى الحمام الذي يعتبر جزءً من جناحهم، شعرت بألم حاد يجتاح قلبها، وعيناها تلمعان بالدموع. لم يتغير أسلوب تعامله معها منذ بداية زواجهم قبل أكثر من أسبوعين، وهذا ما آلمها.

توجهت بخطوات مرتجفة نحو السرير مرة أخرى، مستسلمة، وجلوسها ببطء عليه، وتحدق بعينين شاردتين نحو باب الحمام الذي أغلقته خلفها. بدأت دموع المرارة تتساقط من عينيها، لم تعد تستطيع كبحها.

عندما تزوجته، لم تكن تتوقع أن حياتها معه ستكون بهذا الشكل.

كانت تعتقد أنه سيكون تعويضًا من الله لها عن جميع الصعاب التي واجهتها في حياتها، خاصة وأنها وقعت في حبه عندما خطبها، وكانت تعتبر ذلك معجزة تم تحقيقها خصيصًا لها.

شعرت بارتجاف شديد من الألم في صدرها عندما تذكرت أول يوم رأت فيه داغرًا…

في ذلك اليوم، كانت تجلس كالعادة أمام نافذة غرفتها التي نادرا ما تتركها، تحدق من خلال تلسكوب والدتها الراحلة في القمر الساطع في السماء الداكنة والنجوم التي تحيط به، إنه منظر يأسر الألباب. كانت هذه روتينها اليومي منذ وفاة والدتها، التي كانت عالمة فلك وكانت تأخذها دائما معها لمشاهدة النجوم ومسارها من خلال التلسكوب على سطح منزلهم…

كانت والدتها مقربة جدًا منها، فكانت تحاول دائمًا تعويضها عن فقدانها لوالدها الذي توفي وهي لا تزال في عمر صغير…

داليدا أحبت هذا المجال كثيرًا بسبب والدتها، وأدركت أن هذا التلسكوب أصبح أثمن ما تملكه، فهو الشيء الوحيد الذي تبقى لها من والدتها التي كانت تشجعها دائمًا على استكشاف كل شيء ونشر روح المغامرة داخلها…

توفيت والدتها عندما كانت تبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، وتركتها تحت رعاية شقيق والدتها الأصغر مرتضي الراوي الذي كان في الوقت ذاته يبلغ من العمر عاماً، وكان خالها وابن عم والدها.

كان عمها مرتضى يتصف بالطباع الحاد دائما معها، وقد كانت تعود السبب إلى الفجوة العمرية الكبيرة بينهما، ولكن زاد سوء معاملته لها بعد وفاة والدتها. عندما يغضب منها أو يأمرها بفعل شيء وترفض القيام به، كان يحبسها في غرفتها لعدة أيام حتى تستسلم أخيرا وتنفذ ما يطلبه منها…

كان يتعامل معها كما لو كانت لا تزال طفلاً ليس لديه القدرة على التصرف بمفرده أو الاعتماد على نفسه، متدخلاً في كل جوانب حياتها.

بعد وفاة والدتها، تمنعت من الخروج من الفيلا واضطرت لاستكمال دراستها في المنزل مع مدرسين خصوصيين. اعتبر والدها أنه يشعر بالقلق عليها بسبب نوبات الذعر التي تعاني منها منذ وفاة والدتها عندما كانت صغيرة، ولم يكن لديها أي خيار سوى الامتثال لهذا القرار. ومع اقترابها من سن الثامنة عشر، قررت المرأة المتمردة أن تذهب للجامعة لتتعرف على أقرانها، لكن والدها رفض بشدة هذه الفكرة. بعد العديد من المشاجرات العنيفة، وافق أخيرًا على السماح لها بالدراسة في الجامعة تحت إشراف شديد من رجاله الذين لم يتركوها تتنفس براحة.

ومع ذلك، تطورت حالات الهلع التي كانت تعاني منها وبدأت تصيبها بشكل متناقض. في البداية، عندما كانت تشعر بالخوف أو الحزن، كانت تشعر بارتجاف بسيط في قدميها وذراعيها… ولكن أصبحت أعراض تلك النوبات أشد قوة من السابق، حيث بدأ جسدها يرتجف بالكامل ويشتد به البرودة مثل الصقيع وتصل إلى عظامها، ثم تصبح كأنها تدخل عالمًا آخر لا تعرف ما يحدث من حولها.

عندما تعرضت لتلك الحالة خلال خلافها مع إحدى زميلاتها، شعرت بالحرج الذي لم تشعر به من قبل عندما رأى الجميع ينظرون إلى يديها وقدميها المرتجفتين كما لو كانت شيئا غريبا لم يروا مثله من قبل…

لذلك عادت إلى المنزل في تلك اليوم، مستقرة على استكمال دراستها في المنزل كما كانت ترغب، بينما عاد عمها إلى مكان عمله مرة أخرى.

حاولت تجنب تفاعل مع خالتها قدر الإمكان لأن العلاقة بينهما كانت دائمًا مشحونة بالتوتر.

قد كان يتصرف تجاهها وكأنها مسؤولة عن وفاة والدتها.

عندما تذكرت الفتاة اليوم الذي توفيت فيه والدتها، تساقطت الدموع من عينيها. كانوا داخل السيارة ووالدتها وزميلها ذاهبان لشراء ملابس لها لحضور حفل مدرستها. حاول خالها مرتضى إقناع والدتها بعدم الذهاب، معتبرًا أن الحفل مجرد تجمع للأطفال لا يستحق الاهتمام. ولكن والدتها رفضت ذلك وأصرت على أن تحضر الحفل وتشتري لها ملابس جديدة لتسعدها.

لكن بينما كانوا في الطريق، ظهرت أمامهم سيارة نقل كبيرة دون سابق إنذار وصدمتهم من الأمام، مما تسبب في انقلاب سيارتهم عدة مرات…

توفيت والدتها على الفور، في حين ظلت داليدا في غيبوبة لعدة أشهر في المشفى. عندما استفاقت، وجدت نفسها محاطة بوجوه غريبة للأطباء والممرضات. بحثت بعينيها عن والدتها ولكنها لم تجدها، مما جعلها تشعر بالخوف بشكل لم تشعر به من قبل. إذ كانت والدتها مأوى آمناً لها من كل ما يخيفها، ولم تفارقها أبدًا منذ دخولها إلى هذا العالم…

عندما سئل الطبيب عن الأم، لم يكن قادرًا على أن يخبرها بالحقيقة التي قد تصدمها وهي في حالة ضعف، لذا أخبرها بكذبة بأنها نقلت إلى مستشفى آخر بسبب عدم وجود أسرة شاغرة في المستشفى الحالي، وأنها ستحضر عندما تستفيق. داليدا انتظرت أيامًا حتى جاءت والدتها ولكن عندما لم تأتِ، أصرت على الذهاب إليها ورفض الأطباء لها بحالتها الغير مستقرة، لكن بعد استقرار حالتها، أخبرها الطبيب بوفاة والدتها بأسلوب عطفي، فانهارت داليدا ودخلت في نوبة بكاء هستيرية. بعد أيام من الانكسار، احتاجت إلى وجود خالها مرتضي، الشخص الوحيد المتبقي من عائلتها، ليريحها ويطمئنها بأنها ليست وحدها، ولكن في النهاية كانت وحدها. وعلمت من الأطباء أنه لم يأتِ لزيارتها طوال فترة غيبوبتها. من ذلك اليوم وهذه النوبات، لم تفارقها…

تنهدت ببطء وهي تستعيد ذكريات ذلك اليوم الذي رأت فيه داغر لأول مرة. كانت داليدا قد تشاجرت مع خالها كالمعتاد، وعندما تصاعدت حدة النقاش بينهما، طلب منها كما يفعل دائمًا أن تذهب إلى غرفتها وأن لا تظهر وجهها حتى اليوم التالي. كانت حينها تجلس على سطح الفيلا وتراقب النجوم، لكنها شعرت بالملل تدريجيًا مما جعلها تستخدم التلسكوب وتتجول في أرجاء الحي الفاخر الذي تعيش فيه. بدأت بالضحك عندما شاهدت كلبًا يطارد قطًا صغيرًا، لكن القط توقف في النهاية وأطلق صوتًا شرسًا، مما جعل الكلب يفر هاربًا.

بدأت في البحث عن شيء آخر ينال اهتمامها ويساعدها على التخلص من شعورها بالملل والإرهاق…

وفعلاً، وجدت نفسها تجذب انتباهها شخص يمارس الرياضة في الحديقة الخلفية للقصر، الذي يبعد عن فيلاها بعدة أمتار. تعجبت من رؤيته يمارس الرياضة في وقت متأخر من الليل واقتربت عدسة التلسكوب حتى تتمكن من رؤيته بوضوح…

لكنها أطلقت صرخة قوية عندما رأته بشكل واضح، شعرت حينها بقلبها ينبض بشدة في صدرها بطريقة غريبة. لأول مرة، بدأت تفحص نصف جسمه العلوي العاري بدهشة، الذي كان مغطى بالعرق نتيجة للتمارين القاسية التي كان يمارسها. وفي حين تحدق بعينين تلمعان بالشغف، كانت ملامحه الرجولية وسيمة للغاية، مع جسم طويل رياضي صلب بديهة، وشعر قصير فحمي يتساقط بخيوط مبللة على جبينه.

ظلت تراقبه وهو يتقيأ الدم منحبسة ولم تتحرك من مكانها قيد خطوة واحدة، متجاهلة الألم الذي ينبض في قدميها طوال الوقت الذي وقفت فيه حتى انتهى ودخل القصر وهو يجفف عرقه بمنديل حول عنقه.

بعد هذا اليوم، بقيت داليدا طوال السبعة أشهر التالية تضبط منبهها على الساعة الثالثة صباحًا لتستيقظ وتستطيع مراقبته أثناء ممارسته لرياضته اليومية. وخلال تلك الأشهر، وقعت داليدا في حبه بجنون، حاولت الوصول إلى أي معلومات تخصه، ولكن، للأسف، لم تنجح بسبب الحراسة المشددة التي تتبعها في كل مكان…

لقد حاولت جاهدة الحصول على معلومات عنه، ولكنها فشلت في ذلك واكتفت برؤية اسمه مكتوبًا على لافتة صغيرة فوق القصر الخاص به.


advertisements


advertisements

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى